|
في كلمة سماحة الشيخ إبراهيم صالح الحسيني con رئيس هيئة الإفتاء لعموم نيجيريا ورئيس المجلس الإسلامي النيجيري حول "ضرورة تماسك الجبهة الداخلية الفرعية" خلال الاجتماع التشاوري الأول للمصالحة العامة بين العلماء في جمهورية نيجيريا الفدرالية الذي عقد بقاعة المؤتمرات المسجد الوطني- أبوجا بالعاصمة أبوجا بتاريخ 12صفر 1433 هـ الموافق 6 يناير 2012م، أكد سماحته على ضرورة المحافظة على الأمن والاستقرار والتعايش السلمي في البلاد وتجنب إثارة الفتن بين جميع اتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية، ورفض رفضاً تاماً الظلم والاستبداد وسفك الدماء بغير حق، كما دعا سماحته لإقامة العدل والمساواة بين أفراد المجتمع وتطبيق القانون على جميع الخارجين عليه، فيما يلي نص الكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد الله الذي أعزنا بالإسلام وأمرنا بالتقوى ولزوم الإسلام حتى الموت فقال عز من قائل في كتابه العزيز{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون } آل عمران:102- 103 وقال :{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } النحل: 125 وقال :{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال: 46 وقال { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} العنكبوت :46 وقال :{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } الممتحنة 8-9
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، القائل: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ). رواه أبو داود والترمذى وقال فيه حديث حسن صحيح عن العرباض بن سارية.
" أما بعد "
إن الأمة الإسلامية اليوم تمر بأصعب وأحرج المراحل التي شهدها تاريخها منذ بزوغ فجر الإسلام واشراقة شمسه في عالم كان دامس الظلام ممتلئا بكافة صنوف الظلم والاستبداد والطغيان.
جاء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق فحرر البشرية جمعاء من جميع أنواع القيود وأغلال العبودية التي كانت تكبلها، فنتج عن ذالك قيام أمة قوية موحدة ذات رسالة خالدة وصفها رب العزة جل جلاله بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } آل عمران: 110.
ثم واصلت أمة الهدى مسيرتها ظاهرة على كل من يعاديها أو يعاندها حتى استنارت كل الشعوب بالتوحيد بقيام حضارة إسلامية دينية دنيوية آخروية استفاد منها كل الناس في كل مجالات العلوم، ولازالت الفتوحات والانتصارات الإسلامية في ازدياد حتى بعد انتقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وكانت الأمة الإسلامية مهابة لا لأنها أمة عدوانية أو إرهابية، ولكن لأن قادتها جميعا كانوا مؤمنين صادقين قمة في الحكمة والأخلاق الفاضلة يبثون المحبة والسلام بين كافة الأمم والشعوب، ولم تستخدم الأمة القوة، ولم تعتد على جهة إلا من أجل الدفاع عن نفسها، وبالشرائط الشرعية المقررة وأفريقيا وآسيا تشهد بذلك .
وفجأة ضعفت الأمة وتراجع دورها القيادي وكاد يتوقف عطاؤها وبدأت تتجلى نبوآت المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى،إن هو إلا وحى يوحى تلك النبوآت التي تشير إلى أنه ستقع خلافات كثيرة، وستتعرض الأمة الإسلامية إلى زلازل عنيفة وستنقض عرى الإسلام بالرغم من وجود العاصم، الذي يتمثل في التمسك التام بما جاء به صلوات الله وسلامه عليه من نور مبين في هدى القرآن والسنة.
ففي الحديث عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً) لينقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة). رواه أحمد والطبراني فى الكبير والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه فى كتاب التاريخ.
أما ونحن نعيش ونشهد اليوم الابتلاءات العديدة التي أصابت أمتنا لنتساءل: هل هذه الأمة المرحومة كانت على ما تركها عليه نبيها عليه الصلاة والسلام مؤمنة به متمسكة بحبله موحدة لربها وموحدة فى هيئتها بالفعل وباقية على عهد رسولها العظيم ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي الأسباب التي أدت إلى ضعفها وتفرقها الآن؟ وما هو دور العلم والعلماء الربانيين ومساهماتهم في تحقيق الوحدة الإسلامية؟ وما هو الدور الذي تنتظره الأمة الإسلامية من أتباع الرسول الكريم الذي قال لنا الحق من خلال ما أوحى به إليه {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} الشورى آية: 13
إن هذه الأمة حين غيبت دور العلماء في شأنها العام واكتفت بمن ينافق ويداهن من العلماء وقع لها ما وقع كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً :" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " رواه أحمد والبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه.
هذا وأساس نجاح الأمة الإسلامية يكمن فى وحدتها، ووحدتها تكمن فى وحدة علمائها وقادتها الروحيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وتوجهاتهم الفكرية. ولاشك أن قوة العلماء فى وحدتهم امضى من جميع الأسلحة لأنهم بمنزلة الملح فى الطعام، بل والروح فى الجسد فهم الجسد فى روح الأمة، وجميع علل مجتمعنا النيجيرى تكمن فى فرقة العلماء وعدم توحد صفهم.
وحدة الأمة الإسلامية في التاريخ
لقد أمر الله تبارك وتعالى هذه الأمة بالوحدة والتمسك بحبل الله الذي هو القرءان الكريم، وهو المنهج المختار من الله تبارك وتعالى لها، وهو منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتمسكت الأمة في بادئ الأمر بذلك المنهج، فأصبحت أمة قوية لا تعرف الضعف ولا تعرف التخاذل ولا تعرف النفاق ولا تعرف فسخ العهد، أو الكذب أو الخيانة. أمة عاهدت ربها على التمسك بحبله المتين حتى استحقت الثناء من الله تبارك وتعالى بعد أن اعتصمت بكتاب ربها وسنة نبيها، وحققت وحدتها واستعدت الاستعداد التام لمواجهة كل التحديات من جميع الجبهات.
كما قال تعالى { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } آل عمران : 103-105 وقال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الأنعام: 153
لقد واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام تحديات كبرى عندما كانوا في مكة. يتربص بهم المشركون من جهة ، ويسخر منهم المستهزئون من جهة أخرى. ولكن اعتصامهم بالله، وثقتهم في أنفسهم بإيمانهم جعلهم يكسرون كل الحواجز، ويتغلبون على كافة الصعاب، وينتصرون على كل التحديات التي واجهتهم والله تبارك وتعالى يقول ممتنا عليهم { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الأنفال آية: 26 .
يؤكد الله تعالى لنا ذلك بقوله:(إنا كفيناك المستهزئين) الحجر:95. وهكذا كفى الله تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام شر المستهزئين في مكة ومكن لهم فى الأرض بالايواء والتأييد بالنصر وبرزقه لهم من الطيبات بما دعاهم به إلى ادامة الشكر وشهود منته تعالى عليهم.
ثم هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وأسس الدولة الإسلامية الأولى دولة العدل والمساواة والحرية، دولة الإنصاف والتوحيد، دولة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بالتأكيد على ذالك بوضع ثلاث أسس تقوم عليها الدولة ويقوم عليها المجتمع :-
الأول – ترسيخ عقيدة التوحيد في قلوب المسلمين باشاعة القرآن تحفيظاً وتلاوتاً في جميع بيوت المسلمين حتى يكونوا أمة موحدة قوية الثقة في الله وقوية الصلة به ثم أحاط هذا بالمكان الذي يغذي هذه العقيدة دائماً بالقيم والأخلاق والعبودية الحقة لله التي لا معنى للمسلم المؤمن بدونها وهو المسجد الذي يجتمع فيه المسلمون لأداء فروض العبادة والتعلم والتعليم وادارة شئونهم كلها سلما وحربا الخ فكان أول بناء أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض لتشع أنواره في جميع أنحاء الدنيا.
الثاني – الربط بين جميع المؤمنين الذين هم أفراد المجتمع بعقد عهد الإخاء بين المهاجرين والأنصار بين كل اثنين منهم كما آخى بين نفسه وابن عمه أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه فوطد بذالك مبدأ الأخوة والمودة والمحبة والصلات والروابط بينهم في كل شيء .
الثالث: وضع أساس العلاقات السلمية بين الأمة الإسلامية وجميع الأمم والشعوب الأخرى فكان أساسا للتعايش السلمى ورعاية حقوق الانسان وحرية التدين والتملك مع المحافظة على حسن الجوار الخ، عندما كتب الوثيقة المشهورة والتى عرفت في التاريخ ( بوثيقة المدينة المنورة ) التي أعطت للمسلمين حقهم ولليهود والنصارى حقوقهم بسلام في ظل دولة إسلامية عادلة ترعى حقوق جميع المواطنين.
ومع أن التحديات التى يواجهها الإسلام لم تتوقف بالهجرة وأعداء الله لم يكفوا من مطاردة وملاحقة التوحيد والإيمان في قلوب أولئك النفر الذين اختارهم الله تبارك وتعالى من بين سكان الأرض لحمل أمانته وأداء رسالته. فظهر في المدينة أعداء جدد يتمثلون في المنافقين وفي اليهود بكل فئاتهم، من بنى قريظة، والنضير، وقينقاع وامتد شرهم إلى خيبر وفدك ووادي القرى إلى أن وصل زحف الباطل إلى الشام ودخل في المعركة الروم وأنصارهم، والفرس وأتباعهم .
ومع كل هذا فقد انتصرت دعوة الإسلام، وعلت كلمة الحق لأنها كانت بأيدي أمينة ولأنها منصورة من قبل الله تبارك وتعالى لأن القائمين عليها من الصادقين، فما الذي استجد حتى وصل بالمسلمين الأمر إلى هذه الدرجة من الانحطاط والتردي؟ وما الذي منع المسلمين من توحيد كلمتهم لنصرة هذا الدين؟ وكيف استطاع أن يتغلب قادة الإسلام الأوائل وفشلنا نحن في هذا العصر بالرغم من أن المنهج الرباني المختار موجود كما هو لم يحرف ولم يبدل؟ ومع أن وسائل النجاح متوفرة لدينا بشكل أكبر.
الجواب بسيط هو أولاً: ضعف العلماء وتخليهم عن وصفهم الحقيقى، واختلافهم فيما بينهم وترك شأن الأمة للجهلة والعامة والتفصيل فى الباب التالى :-
أسباب ضعف الأمة الإسلامية
لم نكن نسبح عكس التيار حين نعلن أن أمتنا الإسلامية تواجه خطرين كبيرين أثرا سلبا على وحدتها، وحالا دون قيامها بالدور الريادي المطلوب منها حتى في حوارها مع الآخر لأن الحوار الناجح يجب أن يرتكز على أساسين متينين، قوة فاعلة، ويقين راسخ، ويتمثل هذان الخطران في الخطر الذى يشكله العدو الخارجي أولا، والخطر الذي يشكله العدو الداخلي ثانيا. ونلخصهما فى الآتى:-
أولا:- العدو الخارجي:
نقصد به هنا جميع أعداء الإسلام من غير المسلمين الذين لا ولن يهدأ لهم بال منذ أن أشرقت الأرض بنور شمس الإسلام بالإيمان والتوحيد، وضع ميزان الأخلاق والقيم الأصيلة، بظهور ونور رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. حتى يوم الناس هذا فهم يعادون هذا الدين ويتبعون فى عداوتهم له أساليب متنوعة غير شريفة من أجل إطفاء نور الله والله يقول { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} التوبة: 32-33 .
إن المتتبع لتاريخ الأزمات التي مرت بها هذه الأمة بعد نهاية الخلافة الإسلامية كلها من أعداء خارج الأمة قد يؤثرون على أخلاق بعض الناس وقد يتأثرون هم أيضا بالإسلام والبيئة الإسلامية كذلك كما حدث فى فتنة التتار والمغول والزنادقة والملحدين المندسين فى نظام الدولة الإسلامية فى العهد الأموى والعهد العباسى الأول والأخير .
ولكن أبرز هذه الفتن ثلاث استهدفت القضاء على الإسلام وأمته لولا حفظ الله لدينه وكتابه وهي حدثت فى ثلاثة مراحل كما يلي:-
المرحلة الأولى: مرحلة الحروب الصليبية التي حدثت بعد الفتوحات الإسلامية الواسعة في العالم .اندلعت تلك الحروب تحت ذرائع مختلفة أدت إلى سقوط بعض الأقاليم الإسلامية .
المرحلة الثانية: وهي مرحلة الاستعمار الحديث الذي استهدف استغلال الأراضي الإسلامية الغنية واستنزاف ثرواتها وموادها الخام، ونقلها إلى مصانع البلدان المستعمرة ثم تصديرها مرة أخرى إلى البلاد الإسلامية بعد التصنيع لتباع بأثمان باهظة. ولتكون الدول الإسلامية سوقا استهلاكية لما تصدره إليها .
ولقد نشط المستشرقون والمنصرون في كتاباتهم ضد الإسلام وتشويه صورته الناصعة، فحرمت شعوب كثيرة من معرفة سماحة الإسلام ومعرفة حقيقته حتى أن مجرد ذكر كلمة إسلام تعني عند بعض الشعوب الغربية العنف واضطهاد المرأة والتخلف والإرهاب إلى غير ذلك من السمات السلبية التي يبرأ منها الإسلام.
ثم تكونت منظمات مشبوهة عديدة، وأنشئت مراكز إسلامية يديرها يهود ومستشرقون يدعون أنهم يعلمون الإسلام ولكنهم ينقضون أصوله عروة عروة. ولم يكتف المستعمر بهذا وحده بل اتبعت سياسة فرق تسد. فبعد أن كان وطن المسلمين هو الإسلام، و المسلم يتمتع بجميع الحقوق والواجبات أينما حل في أي بلد من البلدان الإسلامية، جاء المستعمر وفرق الأمة الواحدة ليجعل منها أمما مختلفة، ووضعها داخل حدود جغرافية مصطنعة ما أنزل الله بها من سلطان. ووضع قيودا لتحرك الأفراد بين تلك الوحدات أحيانا تصل إلى درجة حرمان الشخص من دخول دولة من الدول الإسلامية لأسباب غير معتبرة شرعا. والله تبارك وتعالى يقول: { وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ } الرحمن:10. ويقول في آية أخرى :{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك: 15 .
المرحلة الثالثة: وهذه المرحلة هي أخطر المراحل وهي المرحلة التي نعيشها الآن في عصر العولمة وتفرد الاستكبار النووى وتفرد القطب الواحد بقيادة العالم كله . هذا التفرد أطمعه في أن يطبق فكرة العولمة التي تستهدف تذويب جميع الفوارق الدينية والفكرية والثقافية بين الأمم والشعوب في خصائص أمة واحدة هي الأمة الأقوى، وهي تسعى لتحقيق هدفها باستخدام جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
ومن هنا دعا هؤلاء الذين أساءوا فهم الإسلام وعجزوا عن إدراك جانب التسامح فيه، وعجزوا عن تفهم الدواعي والأسباب في ورود بعض النصوص في القرآن الكريم إلى حذف كل الآيات التي تدعوا إلى الجهاد وما أشبهها مما يكشف أسرار اليهود ومكائدهم ضد الإسلام والبشرية وهذا كما ترى عدوان سافر على كتاب مقدس.
ويحتج بعض دعاة العولمة بأن المسلمين الآن يخالفون قواعد التعايش السلمي، ويناقضون أنفسهم بالإبقاء على تلك الآيات وتدريسها لأبنائهم، فهذه الآيات تزيد من الكراهية والبغضاء لليهود والنصارى. مع أن الجهاد في الإسلام مشروط بوقوع الاعتداء من الجانب الآخر، وأما ما يتعلق باليهود فإن الإسلام لا يشمل كل اليهود بهذا الحكم ويشهد لهذا قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } آل عمران: 113-115
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. اتخذ العدو أسلوبا آخر لمحاربة المسلمين فاستخدمت الحرب النفسية ممثلة في الحرب الإعلامية ووضعت أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأسرها في قفص الاتهام. فاتهمت بالتعصب والتطرف والإرهاب.كما اتهمت بالأصولية المتعجرفة المنحرفة علما بأن المسلم أصولي بطبيعة الحال لأنه يتمسك بالأصل ، ويعض عليه بالنواجذ كما أمر بذلك ولكنه متسامح بحكم عقيدته ومبادئ دينه.
لا علاقة للإسلام بالإرهاب
ومن المعروف أن الإرهاب ظاهرة اجتماعية تنشأ في جميع المجتمعات إذا توفرت أسباب ظهورها كالاضطهاد والظلم وانعدام العدالة والمساواة والتدخل في شئون الآخرين والتسلط عليهم . ومع ذلك فإن العدو اليوم أصبح يلهث جاريا لإلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين أو يدين الإسلام أو القرآن الكريم .
ويتفق خبراء مكافحة الإرهاب حتى من غير المسلمين على أن الإرهاب ليس عدوا وإنما هو إستراتيجية للعدو وليس المراد الانتصار على الإرهاب لأن ذالك لن يتم أبداً، ولكن الهدف هو خلق حالة من الذعر والخوف في أنفس الأمم والشعوب حتى ترضى بقسوة الحياة والأمر الواقع والاستمرار في الرضوخ لإملاءات العدو ومطالبه التي لا تنتهي وبذلك يتمكن العدو من تنفيذ أجندته الرامية إلى استئصال الإسلام.
ثانيا : الخطر الداخلي : ونعنى به الخطر الذي تسبب في ضعف الأمة و أدى إلى تصدع جبهتها الداخلية ويعتبر هذا الخطر أكبر وأضر من خطر العدو الخارجي, ويتمثل في عمل بعض الإخوة من الدعاة الذين يحملهم الحماس الزائد إلى ارتكاب أعمال تدفع بالأمة إلى مزيد من التفرق والتمزق الذي نهى الله تبارك وتعالى عنه بقوله: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال:46. ويقول : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } الأنعام: 159 ويقول الحق تعالى { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } الشورى: 13 .
وفى حديث الصحيحين وأبى داود عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال : نعم فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن قلت: وما دخنه قال : قوم يهدون بغير هديى تعرف منهم وتنكر قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر قال : نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك قال: تلزم جماعة المسلمين قلت: فإن لن تكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتي يدركك الموت وأنت علي ذلك .
وهذا التفرق المنهى عنه بالطبع غير الاختلاف لأن الاختلاف بين وجهات النظر لا يؤدي إلى التفرق فإنه أمر طبيعي ومن فطرة البشر، لأنه لا يمكن للبشر أن يتفقوا في كل شئ في كل صغيرة وكبيرة ودائما وأبدا0ومن هنا فإنه لابد للإنسان بحكم العقل وحرية الاختيار التي منحها له الله تبارك وتعالى أن تكون له أولويات واختيارات يختلف بها عن غيره { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }هود: 118-119.
ولكن لا يجوز أن يصل هذا الاختلاف إلى درجة التفرق والتمزق وإلى طرد بعضنا البعض من دائرة لا إله إلا الله التي هي أوسع من السموات والأرض.
وبكل أسف نحن في هذا الزمن اعتبرنا الاختلافات في الفروع الفقهية أسسا للتفرق والتنازع.بل وفى الاختلافات فى نوافل الخيرات من الأذكار والأوراد والدعوات وانتشرت هذه البدعة اليوم في العالم الإسلامي حتى لا تكاد تجد بلدة واحدة من بلدان المسلمين تتمسك بعمود الدين، وتتمسك بالحق واليقين وترفض التنازع والتفرق وتكفير المسلمين بعضهم البعض مع أنهم جميعاً مسلمون دعواهم واحدة .
وقد أدى هذا إلى تصدع وتفكك الجبهة الداخلية للأمة الإسلامية مما أطمع فيها عدوها كما جاء في حديث أبي أمامة عند الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوشك أن تتداعى عليكم سائر الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها، قلنا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال : لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع الهيبة من قلوب عدوكم، ويوضع في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) .
فهذا الحديث الشريف يصور حال المسلمين اليوم حيث أنهم أصبحوا كالطحلب الذي يطفو على الماء، والأوساخ التي يأخذها السيل في سيره لا قوة ولا قرار لهم. فبالرغم من وجود كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بين أيدينا أصبحنا نتلمس الهدى في عادات قوم كافرين0
وتوجد عندنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سهر على تمحيصها، وتخليص الصحيح من الضعيف والموضوع فيها علماء أئمة ترضاهم الأمة، ومع ذلك نجد قوما ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم يطعنون حتى في أولئك الأئمة الأبرار.
إن أقل ما يمكن وصف الأمة به اليوم هو العجز. لا نقول إننا أمة مقيدة لأنه لا أحد قيدنا أو منعنا من أن نستقيم على الصراط المستقيم ونسير على المنهج القويم. ولكن تراكمت علينا أمور من أفعالنا فعجزنا عما وجب علينا. والعبرة دائما بالأمة مجتمعة ليست بالفرد، ولا بطائفة أو جماعة لأن معنى الأمة ينتظم كل هذه الوحدات من الأفراد والجماعات والطوائف كلها والأحزاب وكل ذي نحلة أو فكرة من المسلمين.
قد يجوز أن يتفاوت الناس في قدر قربهم من المركز بحيث يكون البعض قريبا من الله تبارك وتعالى والبعض بعيدا، ولكن الكل في محيط دائرة الأمة.
ومن هنا فإنه لا يجوز لأحد في هذه الأمة أن يستثني نفسه مما يصيب الأمة من خير أو شر، حلو أو مر. إذن نحن جميعا أصابنا هذا العجز عندما سلط الله تبارك وتعالى بعضنا على بعض، وقد وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: ( ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)0
ونحن اليوم كل شئ له قيمة عندنا إلا المسلم. فإنه لا قيمة للمسلم عند أخيه المسلم، فيستطيع أن يشتمه، وأن يقذفه، وأن يكفره بل حتى يقتله.
أصبحنا نعمل في مجال الدعوة والوعظ والإرشاد لكننا لا نتقيد بآداب الدعوة ولا بآداب الوعظ والإرشاد وعكفنا على أكل لحوم أهل القبلة بدعوى الإصلاح ونسينا عيوب الكفار والمشركين وضلال الضالين، وبدع المبتدعين، وكل ذلك نتيجة لا تباع الهوى.
وما دام الإنسان مريضا بالهوى، أو مريضا بشهوة النفس، أو مريضا بتلبيس الشيطان، أو مريضا بالوقوف مع الخلق دون ملاحظة الخالق فإنه لا يستطيع أن يرى الصواب صوابا والخطأ خطئا حتى يتجنبه أو يسلكه.
إن وضع الأمة اليوم أصبح كوضع مساجين وضعوا في زنزانة ضيقة ظلما وعدوانا لأجل غير محدود، وبدلا من أن يفكروا ويتدارسوا في كيفية الخروج من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه انقلب بعضهم على بعض يتشاجرون ويتقاتلون فكيف لا يستهين بنا العدو؟
إن وحدة الأمة الإسلامية بعد هذا التشتت، وبعد هذا التفرق، وبعد هذه الاختلافات الكثيرة والكبيرة أمر صعب، ولكنه ليس بمستحيل .
وما دامت الأمة الإسلامية تتمتع بإيمانها، وتتمتع بثقتها في نفسها، وثقتها في دينها، وكل ذلك بناء على علاقتها بربها فإنه لا يكون شيئا مستحيلا إذا صدقت في إرادتها فى تنفيذ الهدف، واتجهت إليه بعون الله وتوفيقه. كيف لا وقد أمر الله تبارك وتعالى صراحة بهذه الوحدة، وبالنص القاطع في كتابه العزيز حيث يقول جل جلاله وعز كماله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } آل عمران:102- 103 .
فنحن مأمورون بمقتضى هذه الآية بأن نتقي الله حق التقوى في أقوالنا، وفي أفعالنا وفي جميع أحوالنا .
ونحن فى نيجيريا نمر الآن بأبشع انفلات أمنى وفساد وفوضى فى جميع الأمور وعدم استقرار فى جميع انحاء البلاد وكلنا نعلم أن الإسلام عقيدة وشريعة. والشريعة تتمثل في أشياء أربعة:
أولها: العقيدة الصحيحة. وهي العقيدة القائمة على كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أو في الإطار الذي فهمها به سلفنا الصالحون وأئمتنا المتقدمون فى اجماعهم واتفاقهم، دون ما اختلفوا فيه أو فى فهمه .
ثانيها: العبادة وهي تنتظم عدة أشياء لا حدود لها. وتتعدد مظاهر العبادة بحسب تعدد المقتضيات. ومقتضى العبادة في القرآن هو الاذعان لكل أمر دعا إليه الحق تبارك وتعالى بالفعل، أو الاذعان لكل أمر نهى عن مقارفته بالترك. وكذلك كل أمر دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثها – المعاملات ويدخل فيها جميع أنواع العقود والمعاملات مما يجرى بين الناس من بيع وشراء وزواج وطلاق وأقضية ومرافعات إلى غير ذالك من باب المعاملات فى الإسلام فى بناءاً على ذالك فإن المعاملات كلها يجب أن تكون محكومة بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رابعها: الأخلاق. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالعقيدة، وجاء بالشريعة، ومن أبرز ما تضمنته شريعته الخلق الحسن، والخلق الرفيع الذي يرقى بصاحبه إلى درجة الصائم نهاره القائم ليله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم المتخلقين بخلق القرآن. وعندما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:( كان خلقه القرآن)
خامسها: الحدود والتعازير مما يتعلق بالجنايات والعقوبات 0
سادسها: الابتعاد عن كل ما يناقض الإسلام الصحيح وكل يبعد عن الله، ويقطع عنه. فالشريعة تعني أيضا رعاية جانب ما نسميه جناية أو جريمة وكل فعل قال الله تبارك وتعالى فيه، أو رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه لا تفعلوا.
فتقوى الله حق التقوى تعني الالتزام بالإسلام والإيمان والإحسان على الوجه الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إليه كما جاء في حديث جبريل عليه السلام عن عمر رضي الله عنه.
وبعد هذا الإستعراض نرى وجوب تحقيق الأمور الجوهرية التالية :-
1- ضرورة توحيد صف المسلمين واعتبار أن المسلم هو من نطق بالشهادتين وأدى الفرائض وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره حلوه ومره، ومراعاة حرمة المسلم في دينه و دمه وماله وعرضه وعقله والنأي عن التكفير والتبديع. يقول الله تعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } آل عمران : 102 ويقول : {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } الأنفال:47. وفى الحديث ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذالك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته).
2- أن المسلمين أينما كانوا فهم أمة واحدة وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. توحدهم وتجمعهم العقيدة ولا تفرقهم أو تؤثر فيهم الحدود الجغرافية ولا الروابط القبيلة أو النعرات العنصرية ولا المصالح الحزبية أو الطائفية.
3- أن الإسلام يدعو جميع المسلمين إلى الاعتصام بحبل الله وتناسي الخلافات التافهة والتزام الجماعة ومحاربة كل دعوة تؤدي إلى التفرق والتنازع عملا بتوجيهات النبي المبعوث رحمة للعالمين صلوات ربى وسلامه عليه وآله. يقول تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف : 108
وفى الحديث: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" قال خطبنا عمر بالجابية فقال يأيها الناس انى قمت فيكم كقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا قال: أوصيكم بأصحابى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد الا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهم الشيطان عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن" رواه أحمد فى المسند ج1 ص 18 ورواه الترمذي ج6 ص333 رقم 2166 كتاب الفتن باب 7 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك ج1 ص 114 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في التلخيص ، وابن أبى عاصم في السنة ج1 ص 43 ، والآجرى في الشريعة ج1 ص 118 .
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من فارق الجماعة ، وخالف الطاعة مات ميتة جاهلية ومن اعترض أمتي برها وفاجرها لا يحتشم من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس من أمتي ، ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبية ، ويقاتل للعصبية ، ويدعوا لعصبية له ، ووالى لعصبية مات ميتة جاهلية " وأصله في صحيح مسلم والآجرى في الشريعة ج 1 ص 119 .
4- ضرورة رجوع المسلمين إلى التمسك بالكتاب والسنة قولا وفعلا وحالا والتعبير بصدق عن كل مواقفهم الإيمانية خاصة عند الدفاع عن هذا الدين وعن مقدساته ورموزه.
5- أن الإسلام يدعو إلى حرية التدين والفكر ويحترم خصوصيات الآخرين، ولا يرضى بإهانة المقدسات بدعوى حرية الفكر والتعبير، إذ حرية الفرد تنتهي عند سياج حرية ومقدسات الطرف الآخر .
6- يحرم الإسلام الظلم والعدوان والطغيان والاستبداد بجميع أنواعه على المسلمين وعلى جميع الأمم والشعوب، ويدعو إلى نشر قيم العدل والمساواة وبث روح التعاون بين جميع أفراد البشر.
7- حفظ الإسلام للمسلمين ولكافة الأمم والشعوب حق الدفاع الشرعي لحماية الدين والنفس والعرض والمال والعقل والبيئة في حالة التعرض لأي عدوان ظالم.
8- ضرورة انتباه المسلمين إلى مكائد العدو ومخططاته الإستراتيجية وعدم الاستسلام إلى الاستفزازات المتكررة بهدف جرهم في وقت ضعفهم وتفرقهم إلى معركة متعددة الجبهات للقضاء عليهم.
9- ضرورة انتباه المسلمين إلى أن أي عدوان يشن على أي بلد إسلامي إنما هو مقدمة فقط للعدوان على جميع باقي الدول الإسلامية حسب المخطط الذي يهدف إلى القضاء على الأمة الإسلامية.
10- الاهتمام بتعليم النساء وتربية الأطفال التربية الإسلامية الصحيحة وحماية العقيدة الإسلامية من كل أنواع التشكيك والتحريف والتبديل بالتصدي إلى كل ما ينشر في وسائل الإعلام خاصة الانترنيت من ضلالات وأكاذيب وافتراءات يراد بها مسخ الإسلام وتشويه صورته.
11- ضرورة أن يراجع أولو الأمر من العلماء والحكام النظر في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا العصر، فهي لم تعد مقتصرة على أداء الواجبات واجتناب المنهيات في السلوك الفردي فحسب، وإنما تشمل أيضا جلب مصالح المسلمين ودفع المفاسد التي تلحق بهم وبأوطانهم وبمقدساتهم مما يدار ويحاك في أروقة السياسة الدولية ومراكز اتخاذ القرار ويجد مباركة وتأييدا من الدول التي ترى أنها كبرى، والله أكبر! وفي نفس الوقت تحتفظ بعلاقات إستراتيجية مع بعض أولياء أمور المسلمين من حكام وغيرهم .
12- ضرورة توجه المسلمين في جميع أنحاء العالم في المساجد وأماكن العبادة والبيوت والمتاجر وفي أي مكان آناء الليل وأطراف النهار، وفي أوقات الإجابة خاصة بالأسحار، ضرورة توجههم إلى الله الواحد العزيز الجبار أن يرد عن هذه الأمة كيد الأعداء، وينصرها نصرا عزيزا مؤزرا ، وأن يغيث الله اليتامى والثكالى والأرامل وسائر المستضعفين الذين يتعرضون للإبادة الجماعية في جميع بلدان المسلمين غوثا عاجلا رعاية لوعده لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، بإغاثة الملهوف والمضطر والمظلوم فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
يقول الله تبارك و تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } محمد: آية 7 ويقول : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } آل عمران:126 ويقول: { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } محمد: 35 ويقول { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ } آل عمران:160 .
الخاتمة
ندعو جميع المواطنين النيجيرين من جنوب البلاد إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها إلى المحافظة بإخلاص على السلام والأمن والاستقرار والتعايش السلمى.
كما ندعو جميع زعماء الديانتين الإسلام والمسيحية إلى تجنب كل ما من شأنه أن يثير الفتنة بين المواطنين. كما نؤكد رفضنا التام للظلم، والإستبداد، وسفك الدماء، وندعو الزعماء إلى إقامة العدل والمساواة، وتطبيق القانون على جميع الخارجين عليه. كما ندعوا الجميع أن يتوجهوا إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء والتضرع ليعيد إلى هذا البلد السلام والأمن والإستقرار.
كما نسأله تبارك وتعالى، أن يجزي عنا بجزائه الأوفى، جميع من ساهموا في إنجاح هذا المؤتمر، وكذلك السادة المشاركين، سائلين المولى عزو جل أن يعيد الجميع إلى ديارهم سالمين.
عاشت نيجيريا فى سلام، وعاش شعبها فى أمن، واستقرار، وسعادة، وهناء.
وشكراً على حسن الإصغاء.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الشيخ إبراهيم صالح الحسيني.
رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري.
أبوجا 12صفر 1433 هـ الموافق 6 يناير 2012م.
|
التعليقات
لا تعليقات ... كن أول من يعلق
إضافة تعليق جديد
.... التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة